الرئيسية مساحة حرة حياة ولا عيش

حياة ولا عيش

كتب في 6 يونيو 2021 - 4:32 م
مشاركة

” ريف رس” 6 يونيو 2021

محمد بوزكو

يأتي الإنسان للحياة ليعيش.. ثم يموت.. بين الولادة والموت حياة لا يجب أن تُحيى فقط.. لا يجب أن تُعاش أيضا.. وإذا علمنا بأننا نعيش مرة واحدة.. وبأن لدينا فرصة واحدة نحياها لنعيش فيها.. فإنه من الطبيعي أننا لن ندخر جهدا في تحقيق القدر الأكبر من الانجازات كي نضمن لحياتنا عيشة محترمة.. عيشة إنسانية.. عيشة توفر للإنسان لوازم الاستمتاع.. فالجسد الذي هو نحن يحتاج لمتعة الحياة.. والروح التي بداخله هي الأخرى محتاجة لنفس تلك المتعة.. وإن بصيغة أخر.. بعد هذا التدقيق، يحق التساؤل.. ما ذا في هذه المدينة يمكن أن يحقق تلك المتع!؟… وما هي انجازات كل من شارك في تسيير هذه الحاضرة لتحقيق فرص تحقيق تلك المتع!؟… أكثر المتفائلين تملكا للتفاؤل سوف يرد ببداهة.. لا شيء ..

في المدينة خراب مرتب.. في المدينة فوضى منظمة.. في المدينة شوارع ليست كالشوارع..  أرصفة، غير مستوية، وكأنها فخاخ… تنظيم السير في الشوارع مُعنكشٌ… شوارع ضيقة ومع ذلك تسير فيها السيارات باتجاهين… بل ويُسمح الوقوف في ارصفتها بالاتجاهين أيضا لتُصاب بالاختناق… ولا أحد من المسؤولين تنبه لذلك… ويظل السؤال معلقا… من ينظم السير والجولان في المدينة!؟.

في المدينة بنايات يغيب عنها التجانس والتناسق وكأنها تعكس حالة سكانها النفسية… ألوانها غير موحدة.. معمارها لا يمت بصلة للمعمار.. وكأن ليس في المدينة مهندسين متمكنين.. لوضع تصميم منظم عمرانيا يضمن تنسيقا محكما بين الأحياء من ناحية التجانس المعماري حتى تبدو الواجهات وكأنها لوحة في غاية الجمال.. وليست مجرد واجهات لصناديق إسمنتية في غاية القبح.

وفي المدينة أيضا فراغ.. فراغ  مريع.. تنهض في الصباح تفتح الباب وتحاول أن تحدد الوجهة.. لا وجهة غير وجهة المقاهي..  والأسواق..  يلتف حولك أولادك يتوسلون الخروج للعب.. تنظر إليهم وفي داخلك نار متقدة.. لا جواب لديك.. لتشعر وأنك جنيت عليهم.. ما كان عليك أن تنجبهم وأنت تخبِر سر هذه المدينة.. فتهديهم قربانا للآلات الالكترونية المعلبة لتنخرهم ببرامج تدميرية تبعدهم عن الواقع وتقتل الطفولة فيهم…

لا تقول لي “في مدينتنا لدينا الكورنيش”.. ماذا في هذا الكورنيش!؟.. مقاه!.. مطاعم!..  ورصيف طويل يكظم نفس بحيرة وديعة تخنقها بؤر التلوث.. لا شيء غير هذا.. اُمْنْ بعد!؟.. ليس في الكورنيش مسرح للتثقيف والتنشيط.. ولا سينما للسفر نحو حضارات العالم وتجارب الإنسان.. ولا حديقة للتنزه.. ولا ألعاب للأطفال.. ألعاب حقيقية وليس ألعاب عاشوراء.. لا فضاءات لمعارض الرسم.. لا أماكن للموسيقى.. كل ما يوفره الكورنيش هم كراسي باردة للجلوس عليها من أجل أكل الزرّيعة.. ورمال ذهبية لافتراشها من أجل تناول الدلاّح والبطّيخ.. أعشاب كثيرة ومختلفة وكأننا قطيع.. وبضع وردٍ يزِّيدجيز إوزرو…

في المدينة عجز في التفكير..  خمول في الابتكار.. وانتحار للتسيير والتدبير على شفاه النهب واللهفة نحو جني المال وكأننا هنا في هذه الدنيا خالدين…

في المدينة غياب للسكان.. غياب للإنسان… غياب تام للشعور بالمسؤولية… فقدان غير مفهوم للغيرة عن الحق في حياة سوية.. لا أحد يتسوّق لحال المدينة.. ولكن الجميع يتسوّق لحال سكان المدينة.. نخلق المقاهي لنجلس فيها من أجل أن نتأمل ونتبحلق في بعضنا البعض.. ونتّبع بالتفاصيل المملة حيوات بعضنا البعض.. ونعمق الأبحاث في بعضنا البعض.. وكأننا نعد دكتوراه فخرية في علم التبركيك..

في المدينة، حيث يسكن العدم، لا شغل ولا مشغلة غير الاشتغال على حياة الناس..

في المدينة مات الضمير.. وتمت المصادقة على موته في دهاليز البلدية.. مات هناك.. حيث تصنع التصاميم من أجل الربح.. والأثراء.. ولرسم القبح.. واستخلاص الرسوم عن حياة لا نعيش فيها.. نشارك فيها.. نتابعها.. ننظر إليها كل صباح مع أول استفاقة.. لكننا لا نعيشها.. لا نشعر بها..

وإلى أن تصل تلك الانتخابات التي على الأبواب..  ليركب عليها وفوقها نفس الوجوه.. من أجل تسيير نفس المدينة.. بنفس الوتيرة.. ونفس الأدوات.. لضمان استمرار نفس الحياة..تحت الشعار الخالد.. حياة ولا عيش…

إلى ذلك الحين، فلندفن أحلامنا في أفئدتنا.. ونعلق الرغبة في العيش في مدينتنا.. ونقمع حواسنا.. إلى حين سفرية لمدينة أخرى.. أين نفجر مكبوتاتنا المتعددة التي راكمنها ونحن نتطفل على الحياة..

إلى ذلك الحين علينا أيضا أن نخترع أجمل الكلمات لنقنع بها أولادنا كي ينسوا اللعب.. وينسوا أنهم محتاجين لمدينة حقيقية.. أو على الأقل ليؤجلوا طفولتهم اليومية إلى العطلة.. يحملوها معهم، طبعا أطفال الميسورين، ويسافروا بها حيث المدن الجميلة.. حيث الحياة تتماهى مع العيش.. ويتراقصان معا في تناسق وانسجام…

أما المحرومون.. فليؤجلوا كل شيء.. فلا حق لديهم لا في الحياة.. ولا في العيش.. وعليهم فقط أن يحمدوا الله.. ويكثروا الصلاة والدعاء.. ويشكرون خالقهم على أنهم يتنفسون هواء بالمجان…

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!
شهادة الملائمة مسلمة بتاريخ 26 / 7 / 2019 تحت عدد : 02 / 2019