الرئيسية مساحة حرة رسائل من زمن كورونا

رسائل من زمن كورونا

كتب في 17 يوليو 2021 - 4:35 م
مشاركة

“ريف رس” 17 يوليوز 2021

بقلم المغتربة: نادية بوشلوش عمران

نعم،كن بخير

نعم، لقد مر زمن طويل و أنا لا أعرف أي شيء عنك ،صديقي، و في هاته الليلة، أحببت أن أتلصص، و أن أدخل عالمك الأزرق ،لعلني أجد خبرا عنك يملئ فضولي و يسكنه و لو لي قليلا ،فأنت يا صديقي تعرف معزتك عندي ،و قد تتلمذت على البعض من أفكارك ،لازالت رناتها كالجرس في الكنيسة ،حينما تدق الثانية عشر ليلا .

لا يكفيني يا صديقي ،الصمت ،فقد حرت في أمرك ،و هذا الليل ،الذي يحملني لمتاهات أخرى ،بعيدة عن التفكير فيك ،يحملني ،إلى فلسفة الوجود و فلسفة الموت ،و أرى بعين العقل ،لما نتقاتل و نحب كرسي و نقطع عرق و نسيح دمه، ولما و لماذا و لما نكذب و نحرق و تتسلى لآخرين و معذبهم أشد العذاب ، و في الواقع كلانا طين….

أو لسنا مخلوقات من طين ؟؟؟!!، و من ماء لزج يخرج ما بين الصلب و الترائب ،و بعدها نكن ،و نتقاتل من أجل ارض تراب و جغرافية و وطن و هواء و سماء و نحن في الأخير لا نعيش فيها إلا سنتين أو أكثر أو خمسين أو سبعين و بعدها نموت ملايين السنين ، تذكرت يا صديقي ، صديقا لي إسمه Candido من القرية Confrides , رجل مسن ،كان عمله هو دفن الموتى ،و في يوم من الأيام كنت بالمقبرة في جنازة ،و عند الدفن ،أخرج كانديدوا ، غطاءا بلاستيكيا و من الحفرة التي هي على الحائط أخرج عظاما بشرية ،و بهدوء ،وضعها في الغطاء البلاستيكي ،و بعدها أدخلها لتابوت ماما خوليا ،التي توفيت ذات وقت قصير .

و بعد مرور وقت ،سألت صديقي Candido , ألا تخاف حينما تأخذ العظام ،ألم ترتبك يوما ،من هؤلاء الموتى ،و من عظامهم و جماجمهم ،الم ؟! تقشعر من هذا

تبسم Candido , بهدوء و قال لي

لا ،الموتى ،و عظامهم لا يهددونني و لا يتكلمون عني بسوء و ليست لهم أيتها نية بالغدر ،،هم مسالمون ،فعلا هذا عملي ،و أنا افخر به ،فقط أنا أقدم السلام للموتى و هم بهدوء لا يستطيعون شيئا ،من يؤدي يا نادية ،هم الأحياء ،هنا في المقبرة ،أنظم القبور ،كلما مرت خمس سنوات حملت عظامهم ،للحفرة الكبرى ،a la Fosa Mayor , بجانب المقبرة ، ليرتاحوا ،،،،هم أصدقائي ،و أنا لفخور بجميع الموتى ،لأنهم مسالمون….

ودعته ،و أنا أفكر ،في هؤلاء الموتى الذين كانوا يوما مثلي ،يضخكون ،يمشون ،يأكلون ،يركضون ،و لعلهم يكتبون مثلي و لهم إحساس و لهم حياة و لهم أسرة و أبناء و أجداد.

اه ، يا صديقي ،لكم الفلسفة لعينة ، عنيدة تدور بالرأي ألف مرة ، تطير بي في مساحات التفكير و من تم الجنون ،و لكم هو الفكر لعين جدا ،يشردني ،يحملني معه إلى بحار جبارة ،مغرية بزبدها و بجمالياتها و بين ريحها و إعصارها و عواصفها الرعدية،و بميزاجيتها و بعمقها و بتفكيرها ،فلسفة بحث عن الذات و عن الهوية و عن الحياة و عن الموت ،و حتى عنك يا صديقي ،ففي زمن الوباء ،هناك أشخاص قد اختفوا من حياتي ،لم تبقى لهم سوى ذكرى عابرة ،و رحمة ،و خيال شاسع عنهم ، رحلوا بدون أن يقولوا وداعا…

نعم يا صديقي ،و أنا في خضم الحياة ،التي أتاهتني ، عاتبتني ،لامتني و قصصت أجنحتي إربا إربا ،و حركت في كل منابع الحياة ،قد يثبت بأنني غابة ،قد قطعها منشار كهربائي ببرودة ،و لربما احترقت مرارا و عدت شجرة خضراء و لربما عدت كشجرة عيد الميلاد يا صديقي ،مزينة بشتى الزينات البراقة الجميلة ، و حتى أمام مرآتي ، وضعت أحمر الشفاه و على جفوني الكحل العربي ،و على رموشي الأخضر و الأزرق ،و رقصت يمينا و شمالا مائلة مائلة مع أغصان شجرة الزيتون،على أغاني أم كلثوم ،و عبد الحليم حافظ ،و تناسيتك و نستني الدنيا عنك و لم تخبرني عنك شيئا.

نعم يا صديقي ،و لهذه الليلة ،صرت أتلصص ،كعادتي بين الصفحات ،و تذكرت صديقي الكاتب عبد الحق طوع ،فبعدما ما تم تهكير الحساب الخاص بي الفيسبوك ،و بعدما جلست أربعة أشهر بدونه ،و كأنني حية بدون رأس تتلوى ، و بعد كل هذا و ذاك ،لهاته الليلة ،أكدت لنفسي بالعزم ، لرؤية ماذا جرى ،لم تعد هنا أرى منشوراتك منشورات أصدقائي ،

نعم يا صديقي

لقد تلصصت ،و دخلت لصفحتك ، و عرفت بأنك في فراش المرض ،و في المستشفى و قد عملت عملية جراحية ، أكيد يا صديقي ،أتمنى لك الشفاء ،و لربما لا تعرف بأنني أكتب لك هاته السطور الآن ،لأقول لك شفاءا إن شالله ، و طهورا…

نعم

يا صديقي ،لقد كنت أقرأ معاناتك ،حرفا حرفا ،سطرا شكرا ،و تأكدت من هاته المعاناة ،و هذا الحوار النفسي الداخلي المحترق المتألم ،الذي يتخبط ، يترنح و احيانا حوار مسالم عطر ، و كأنك راضيا عن نفسك و عن الأشياء التي مرت بك في حياتك ،شعورك يختلط بالفلسفة و بتاريخك في مدريد و بالمزرعة و بكرامن و بإبنتك عائشة ،خليط فيه حب و دفئ و مزيج من الآلام المرير التي عشتها بين الدار بيضاء و مدريد ؛ و لربما بعض من السعادة في المزرعة و أنت تعمل و تحكي عن الحيونات من الفرسان و الخنازير و غيرهم لربما المزرعة بالرغم من العمل الكثير قد أعطاك فرضا من السعادة و المزيد من الفلسفة ،و كيف كنت تدخل للحانة و تلتقي الأصدقاء ،في القرية الصغيرة ، آه من الذكريات يا صديقي…

صدقني يا صديقي ،ذكرياتك جميلة ،بالرغم من المعاناة إلا أنها مختلفة ،فيها فرح ،استثنائي جميل ،فيه شجن و حب و سحر و ألم لذيذ كلذة الخمر ،التي تعطي ابتهاجا ،سكرا ،و تنسيك الألم و خصوصا ،بيرة إسبانيا Servesa, Coniac, Mari brezit و El herbero….

نعم يا صديقي ،مرضك و ألمك و محاوراتك النفسية الداخلية ،جعلتني أكتب إليك ،و أتذكر رسائل مي زيادة و خليل جبران ،و كأنها قد عادت للحياة ،ليكتبوا من عبرنا ،و لربما كذلك قد تشابهت برسائل كافكا لميلينا

نعم يا صديقي ، المرض شيء قاسي ،و قد ألم بك ، و لو كان الطبيب الجراح الذي أجرى لك العملية ،لو كان يعرف ما يدور في رأسك ،لحاول إنقاد تفكيرك من التشتت و من الرحلة الطويلة الفلسفية ،لكن أنت يا صديقي ، طبيب جراح أكثر من هذا الجراح ، طبيب يعرف خفايا النفس ،صائل حائل في الحياة و قد عرف مقرها و شحنها و القليل من السعادة ، يا صديقي ،أنا مثلك ،او قاب قوسين أو أدنى ،لقد تجرعت من السم كل صبح و كل ضحى و كل مساء و شربت العديد من الأدوية و لازالت استثنائية في يومي و في لومي و في فرحي و في مرضي ،نعم يا صديقي ،لقد عشقت مذهب تفكيرك و طريقة رؤياك الأشياء و شاعريتك و ألامك و تقربك من الله و من عيسى و سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، تفكير مخضرم براق في الصورة ،الأقلية هم من لديهم نفس الشيء في الحياة ،

نعم يا صديقي ،الموت فلسفة و خلاصة لحياة مارة ،و لحياة فائتة ،لربما أنت لا تخافها و لا تنهار منها ، الحياة كما قال Candido كالخمر و كالمرأة الجميلة ، و لربما أنا أفكر فيها كثيرا و لربما اقتربت و إبتعدت عنها ، الموت شيء دافئ أو بارد ،مخيف مفزع و فراغ من جسد ،من تنفس و راحة من فلسفة ،قد تعبوا من كانوا يتفلسفون فيها بالقسط و بالجنون و بالعاصفة و في الظلام و في النور ، لقد تعبوا و لربما زكوا فلسفاتهم و خوارهم ، أو لم يزكوها ،حتى جاء الطوفان و لم تنفع سفينة نوح و لا براءة الذئب من دم يوسف.

نعم يا صديقي ، حينما حكيت عن الخمر و عن الاستخدام فيها ،في قرى إسبانية ،في موسم العنب و إعداد الخمور ، تذكرت Gwadalest القرية الإسبانية السياحية الجميلة و موسم عصر الخمور فيها ،و تذكرت الفتايات الشقراوات الجميلات و هن بلباسهن الأبيض يصعدن للمعصرة و يرقصن رفسا على العنب ،فتتطاير ألوان الخمر على صدورهن و على جيدهن و على فساتينهن البيضاء و هن فرحات بذلك ،و أتذكر روائح الأكلة الإسبانية بالأرز Al Palla, بفواكه البحر و بالحلزون و بالأرانب البرية و بالدجاج ،أمممممم رائحتها كم زكية و على الطاولة الكبرى ، أناس يأكلون و يشربون الخمر الأحمر و فينوا طينطوا El Vino tinto و ، لا كاسيرا la Casera ,و يتمازحون و يغنون و يفرحون ،و كأنهم من طاولة العشاء الأخير لسيدنا عيسى ،على حسب الديانة المسيحية . حينها يا صديقي تذكرت عناء أبناء شعبنا ،و فقرهم و ألمهم في هذا الوباء و في هذا الظلم و في هذا الحزن ،حقا يا صديقي ،أمران مختلفان و شيئان لا يتشابه، إن الإسبان بالرغم من كل شيء إلا أنهم يتضامنون و يساعدون بعضهم البعض ،و نحن شعب مسلم يا صديقي لا ،قد نسينا التآزر و الحب و ابتعدنا عن الله كليا ، فقدنا الخوف و الهلع و الوباء

،يضرني أن أرى هذا في زمن الوباء ،و كل هذا يا صديقي ،شدني لقصتك و لأدبك و لحوراتك و لفلسفتك ،و أنت لازالت في ،فراش المرض و لكنك أديب كبير ، قد قطعت أواصر المرض بمحاوراتك الجميلة الراقية و قضيت على الجرح و على الألم…

نعم يا سيدي ، أنا اللصة التي بحثت على الحقيقة ,و قد كنت أظنك بخير ،و لكن لتكن بخير ،كما كنت تقول لكارمن Carmen بأنك ستكن بخير .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!
شهادة الملائمة مسلمة بتاريخ 26 / 7 / 2019 تحت عدد : 02 / 2019